Tuesday, March 07, 2006

(1)

,من الواضح أنه مشغولٌ جداً ، كتب كثيرة حوله ، أوراقٌ متناثرة علي المقاعد وعلي الأرض ، ثلاث أكواب شايٍ فارغة ، وفنجانين من القهوة أحدهما مدلوق نصفه علي السجادة البنية اللون مما أضاف مساحة أكبر من اللون البني الغامق ، يجلس متربعاً يقلّب في الأوراق باحثاً عن شيء ما ، منفضة السجائر بجواره امتلأت حتى الحافة بالأعقاب التي تدل علي أنه كان يشرب السيجارة لنصفها فقط ، هناك سيجارة متدلية علي المنفضة ، تملأ الجو بالدخان ، يرن الهاتف فجأة فيستدير ناحيته بعصبية زائدة ، ينفث في ملل كأنه يعلم من يطلبه ، تجاهله تماماً ولم يرد ، الهاتف يسكت للحظة ثم يعاود الرن المزعج ، كأنه يصر علي أن يُرد عليه ، اللعين ، قام يلتقط السماعة بعنف فجاوبه صوتاً معدنياً متقطعاً في إعلانٍ علي أن الطالب قد يئس ووضع السماعة ، يتعصب أكثر ، يطلق سبة بذيئة ، فوجئ بورقة في يده ، نظر إليها كأنه يراها لأول مرة ، مرر عينه علي الكلام بسرعة ثم مزقها ورماها من الشرفة المفتوحة ، الهاتف يرن مرة أخري ، رذاذٌ خفيف في الخارج ينذر بهطولٍ سخيّ ،التقط السماعة في سرعة هذه المرة ، " ألو ... مين ؟ " لكنه لم يسمع سوي صوت أنفاس متقطعة " مين يا حيوان؟" ، يزداد صوت الأنفاس تقطعاً ليتحول إلي نهيج مزعج " مين يا ابن الوسخة؟" ، " لو راجل تقول مين .... يا خول" ، أنفاس متهدجة وصوت بكاء مكتوم ، وضع السماعة في هدوءٍ شديد ، جلس علي أقرب مقعد في وضعٍ شديد الرزانة ، علي شفتيه ابتسامة تتحول تدريجياً إلي ضحكة ، صوت ضحكته يتعالى ، ليصبح ضحكاً هستيرياً ، تدمع عيناه من كثرة الضحك ، يتمرغ في الأرض وفوق الورق ، يضحك وهو يمزق الورق بأسنانه ، يقلب أكواب الشاي والقهوة ، ويرن الهاتف مرة أخري ، يتوقف ، يصمت عن الضحك فجأة كأن ضحكه لم يكن حقيقياً ، ينظر للهاتف ويرد بسرعة، نفس صوت التهدج والبكاء المكتوم ، نفس الحشرجة التي يسمعها منذ ثلاث سنوات ، يحدث سيناريو الهاتف هذا منذ موت طفليه في حادث سيارة ، زوجته تركته لأنه لا يمتعها بالقدر الكافي - علي حد قولها- وبالرغم من أنه كان يعلم أن هذا ليس بالسبب الحقيقي لكنه بعد موت الطفلين لم يشعر فارقاً ، أحس أنها لو اختارت أن تذهب للجحيم فلن يعترض ، ضحك بسخرية وقال بصوت خفيض "ملعون أبوها مرة بنت كلب" ، فقد عمله منذ الصيف الماضي ، لم يكن يحبه كثيراً فلم يحزن ، كان عمله موظفاً لحسابات مطحنة للأرز ، تشاجر مع مديره وسبّ له أمه بالدين ، فصل من عمله من فرط الجزاءات في ملفه ، أمه ماتت وهو في العاشرة ، ابنه أيضا كان في العاشرة حين مات ، ابنته حين ماتت كانت في السادسة ، زوجته هي التي لم تمت ، كسور بسيطة ورضوخ فقط ، يومها في المستشفي سأله الطبيب عن سبب الحادث ، وكيف ارتطمت السيارة بجدار مبني علي الطريق الصحراوي؟ ، لن تصنع الصدف حادثاً مثل هذا ، لم يعرف ماذا يقول للطبيب لأنه لم يكن معهم وقت الحادث ، جاوبه فقط بعينٍ متسائلة ودمعةٍ محبوسة ، " مين معايا؟ " ، يراجع أوراق زوجته منذ رحيلها ليجد أي شيءٍ يجعله يتهمها بقتل ولديه ، أي شيءٍ يثبت أنها ساقطة ، أي شيءٍ والسلام ، " أنا هابلغ عنك يا كلب " ، ذهب كثير لمصلحة التليفونات كي يبلغ عن المعاكسات التي تأتيه ، كانت تدمر البقية الباقية من أعصابه ، لم يعد يحتملها ، ثلاث سنوات أحس أنه يبتعد تدريجياً عن ذكرياته وماضيه وحاضره ومستقبله ، يبتعد عن حتي ذكريات ولديه وزوجته التي أحبها منذ أيام الجامعة ، وكرهته بعد ذلك فكرهها ، ثلاث سنوات يبعد فيها عن نفسه ، لم يعد يتذكر اسمه وإن تذكره يحسه غريباً طعمه غير مستساغ ، " منير" ، اسمٌ غريب لا يتناسب مع أسماء هذه الأيام ، خلع قميصه ومزّق سلك التليفون وجلس ساكناً تماماً ينظر للخارج بعينٍ محايدة إلي أن دقّ جرس باب المنزل.

Posted by Pianist at 2:51 PM



6 Comments

  1. Anonymous bahz_baih posted at 5:56 PM  
    بيانست اهنيك جيفارا يلا ورينا الشغل

    بهظ بيه
  2. Blogger a.nashat posted at 10:32 PM  
    ثم دخل الموت , ولكن بشكل رسمى هذه المرة
  3. Blogger GAMA-lone posted at 9:28 AM  
    طلعة معلم... الغة جامدة موت و اسلوبك عظيم...
    و الله القصة دي هيبقى ليها مستقبل...
  4. Blogger خوليو posted at 4:34 PM  
    تكثيف رشيق وسرد قوى

    جميل
  5. Blogger S H E B A K posted at 11:21 AM  
    امممم
    بداية مميزة فعلا .. انا كده مستنى اللى هيحصل بعد كدة
  6. Blogger شاطىء أخر posted at 12:43 AM  
    شغال
    عجبانى موووووت الحاله اللى عند البطل وعلاقته بالشخص التانى الى بيتصل بيه على التليفون
    حاله الحصار اللى هو حاسس بيها من جرس التليفون اللى مش عايز يسمعه و بيستناه و جرس الباب ,افكاره عن مراته وولاده اللى ماتوا
    الوضع غامض
    لكن
    جميل انا بحب الغموض

Post a Comment

« Home